اختطاف السودان بأيدي أبنائه

اختطاف السودان بأيدي أبنائه

فريق شرطة(حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين

تداعيات ومآلات ما يجري في بلادنا أرض السودان، إسترجع عندي ذاكرة واقعتين لمحاضرتين، المحاضرة الأولى للسيد الفريق شرطة/ الطيب عبدالرحمن مختار أحد مدراء شرطة ولايات دارفور الكبرى والقطب الاداري لنادي المريخ الامدرماني، والمحاضرة منشورة وتداولتها وسائط الاعلام المقروءة والمكتوبة.
والمحاضرة الثانية تداولتها وثائق منشورة لمحاضره ألقاها ضابط ومسئول المخابرات الأمريكية البروفسور/ ماكس مانوارينج خبير الإستراتيجية العسكرية في معهد الدراسات التابع لكلية الحرب الأمريكية، ومكان المحاضرة في إسرائيل
بتاريخ 01/12/ 2018م، والمدعوّون للمحاضرة كبار الضباط من حلف الناتو والجيش الإسرائيلي.
ولبيان موضوع هذه المقاله، اتناولها بتقسمها لجزئين، وكما يلي:

  1. المحاضرة الأولى:
    الفريق شرطة/ الطيب عبد الرحمن مختار في محاضرته يقول أنه تلقى دعوة شخصية للمشاركة في سمنار نُظِم في جامعة اكسفورد عام 2008م في لندن حول مشكلة إقليم دارفور، والدعوة له كانت بتوجيه من منظمو السمنار باعتبار الفريق شرطة الطيب مديراً سابقاً لشرطة الإقليم قبل أن تجتاح الإقليم حالة سيولة الاضطرابات الأمنية السياسيه الحاليه، ويقول الفريق شرطة الطيب أن خريطة لأفريقيا عُرضت على المشاركين في اليوم الثالث للسمنار، وكان عنوان الخريطة New Map of Africa، ويقول تملكني العجب والصدمة عندما افتقدت عدم وجود وطني دولة جمهورية السودان في تلك الخريطة الجديده لأفريقيا، وحيث برزت بوضوح دولة جنوب السودان بحدوها الحاليه منذ تنظيم تاريخ قيام السمنار، والذي سبق الإعلان الرسمي عن فصل دولة الجنوب بأكثر من ثلاث سنوات، وظهر في تلك الخريطة دولة كبيرة في غرب أفريقيا تضم دارفور وجزءاً كبيراً من كردفان وجزءاً من الولاية الشمالية ودولة تشاد والنيجر ومالي. وظهر في ناحية الشرق دولة كبيرة في القرن الأفريقي ضمت إليها كل ولايات شرق السودان الحالية القضارف وكسلا والبحر الأحمر بجانب شرق ولاية نهر النيل. ولم يتبقى من السودان الحالي إلا شريط متاخم للنيل يمتد جنوب الخرطوم، ولكن الغريب أن واضعي الخريطة أبقوا هذا الجزء من تلك الخريطة بلا اسم.
    وبالتصرف نقلا من أقلام وكتابات وتحليلات وتعليقات اوردتها صحيفة الراكوبه الالكترونيه اصدارة 09/06/ 2015م، منظمي ذلك السمنار لم يعرضوا تلك الخريطة من باب التسلية، فالخرطة تلك أبلغ دليل على خطة موضوعه لإعادة رسم خريطة افريقيا على الورق. إذ يبدو واضحاً أن التغيير الديمغرافي هو أساس خطة معدة لتوزيع السودان على الدول الأفريقية المجاورة للسودان الحالي، وليس تقسيمه فحسب، فالإقليم المتاخم لولاية القضارف في اثيوبيا يسكنه حوالي 35 مليونا – وتقارير أخرى تشير لنحو 42 مليون، بينما يبلغ سكان ولاية القضارف السودانية بالكاد مليونا ونصف المليون بواقع فقط 15 شخص في الكيلومتر المربع.
    ومن واقع عملي(كاتب المقاله) في ولاية القضارف 2007م – 2010م، إن ما اوردته صحيفة الراكوبه من معلومات حقيقة بائنة، والحقيقة تلك لا يستغرب معها مؤشرات التدفق السكاني من جهة الشرق على ولاية القضارف الخالية من السكان مقارنة بمساحة الولاية ذات الأراضي الخصبة، فإذا ما اقترن الزحف السكاني الإثيوبي بخطة حكومية إثيوبية مع رؤية مستقبلية لأفريقيا من قوى خارج القارة، يكون الوجود الإثيوبي ـ الذي بات كثيفاً في السودان ـ ضمن خطة التوزيع القادمة. وليس بالضرورة أن يعلم جماعات الشفتة المسلحون أو المهاجرون المسالمون أو سائقو الركشات والحلاقون وعمال المقاهي والمطاعم والعاملات في المنازل، أنهم ينفذون خطة بعيدة المدى، فإذا علموا أو علم بعضهم، يكون التنفيذ أسرع وأوقع. ولاسيما عينة دراسة عن الوجود الأجنبي في ولاية القضارف أعدها كاتب المقاله(مقرر لجنة الوجود الاجنبي في ولاية القضارف 2008م) تشير إلى عبور 09 أشخاص يوميا على رأس كل ثانية/ ساعة زمن للحدود السودانيه الإثيوبية.
    أما التحول الديموغرافي في غرب السودان، فقد تمت تغطية التغيير السكاني الديموغرافي بإيهام حكومة الخرطوم الاسلامويه بترجيح الكفة العسكرية لصالحها، من خلال تدفق سكاني جديد مُستجلب من عرقيات واثنيات اعراب الجنجويد الجهينيين الأفارقة أعراب بدو الرزيقات المحاميد والماهرية الأباله، وانطلت الخطة عندما أعان مليشيا الجنجويد الوافدون الجدد حكومة الخرطوم كثيراً في محاربة الحركات المسلحة في دارفور، وكان بدايات إنطلاقة مليشيا قوات الدعم السريع، الذين صاروا عوناً كانت حكومة الخرطوم الاسلاموية في أشد الحاجة إليهم. وقد أعمت الحاجة حكومة الخرطوم عن رؤية حقيقة أخرى في جانب آخر من المشهد، هي أنها تنفذ خطة غيرها – بأيدي سودانية – بتغيير سكاني يمهد الطريق لإعادة رسم خريطة المنطقة بأكملها، بما يجعل السودان أثراً بعد عين، وذلك بعد خطة إعادة تقسيم مصر المسيحي الشمالي والاوسط المسلم السني، وضم جنوبها لأهلها الصعايده مع شمال السودان النوبي النيلي الخالي كذلك من السكان بواقع ثلاثة أشخاص في الكيلومتر المربع.
    وواقعا، فقد تم تنفيذ الجزء الأول في الخريطة بفصل جنوب السودان عن شماله(قيام دولة جنوب السودان)، وحيث لم يكن واضعو الخطة ينتظرون نتيجة ذلك الاستفتاء الصوري لفصل إقليم جنوب السودان، والذي هو بمثابة إضفاء الشكل القانوني لقرار رسمته دوائر خارجيه وقد تم اتخاذه سلفاً، وبمقتضاه تبقت المراحل الأخطر في خطة توزيع السودان ديموغرافياً وإقليمياً.
    هذه الخطة ـ أو قل المؤامرة إن شئت ـ يمكن تنفيذها بسهولة ما دامت وراءها جهات تخطط بدقة لعقود وقرون قادمة، وتملك إمكانات ضخمة تؤهلها لتنفيذ مخططاتها. و لا تفشل هذه الخطط أو المؤامرات، إلا في حالة واحدة هي وجود إرادة وطنية مضادة. فهل تشير معطيات صراع قوى رؤوس العسكريين والمدنيين إلى وجود هذه الإرادة الوطنية في بلادنا السودان؟
  2. المحاضرة الثانيه: استهلها البروفسور ماكس مانوارينج، وبالتصرف من المصدر Small Wars Journal يقول بروفيسور ماكس Max أن أسلوب الحروب التقليدية صار قديماً، والجديد الحالي هو الجيل الرابع من الحرب،
    وقال حرفياً(والنص له):”ليس الهدف تحطيم المؤسسة العسكرية لإحدى الأمم، أو تدمير قدرتها العسكرية، بل الهدف هو:(الإنهاك ــ التآكل البطيء)، لكن بثبات، فالهدف هو ارغام الدولة العدو الضعيف على الرضوخ لارادة الجهة المعتدية القوية” ويضيف حرفياً: “الهدف زعزعة الاستقرار، وهذه الزعزعة ينفذها مواطنون من الدولة العدو، لخلق الدولة الفاشلة، وهنا تستطيع الدولة المعتدية من التحكم على الدولة العدو/ المعتدى عليها، وهذه العملية تُنفذ بخطوات وببطء وهدوء، وباستخدام مواطني دولة العدو/ المعتدى عليها، وبذلك، سوف يستيقظ عدوك ميتاً”.
    هذه المحاضرة قيل عنها أنها أخطر محاضرة في التاريخ الحديث، فهي توضح كل ما جرى ويجري من حروب ونزاعات وصراعات أهلية مسلحة في محيط مناطق العالم القلقة والمضطربه الأوضاع، وحيث دوله السودان أنموذج لدولة المناطق القلقه والمضطربه الغير مستقرة، ويزيد تعقيدات الدوله السودانية أنها دولة متداخلة الحدود الطويله الطبيعية وتقع في محيط عدد خمسة دول غير مستقره.
    وأكثر ما يلفت الانتباه في هذه المحاضرة هي عبارة :”الإنهاك، والتآكل البطيء”. ولك أن تسأل:
    لماذا لا يتم الانهيار السريع بدل التآكل الهادئ والبطيء؟
    هذا هو الجزء الأخطر في المحاضرة، ومعنى التآكل البطيء، يعني خراب متدرج للمدن، وتحويل الناس إلى قطعان هائمة، وشلّ قدرة البلد العدو/ المعتدى عليه على تلبية الحاجات الأساسية لإنسانها، وبل تحويل نقص هذه الحاجات الى وجه آخر من وجوه الحرب، فهو عمل مدروس ومنظم بدقة.
    وللعلم البروفسور ماكس ليس خبير الجيل الرابع للحرب فحسب، بل ضابط مخابرات سابق في الجيش الامريكي، فهو عندما يلقي محاضرته تلك، لا يلقيها في روضة أطفال ولا في مركز ثقافي، بل يلقيها لجنرالات كبار في الكيان الإسرائيلي وحلف الناتو. والمكان في اسرائيل! وبروفيسور ماكس في عبارة لافتة في المحاضرة يقول بكل وقاحة مبطنة مخاطباً الجنرالات:” في مثل هذا النوع من الحروب، قد تشاهدون أطفالا ونساء قتلى، أو كبار السن، فلا تنزعجوا. إنما علينا المضي مباشرة نحو الهدف”، بمعنى لا تتركوا مشاعر مشاهد القتل والدمار تحول دون تحقيق الهدف”.
    وتطبيقات حرب الجيل الرابع، أسلوبه القتالي يطبق في العراق وسوريا واليمن، وفلسطين، وفي ليبيا، وإقتصاديا يطبق في لبنان وفي مصر.
    وسؤالي نحن السودانيين، ألا نرى على أرض الواقع أن تطبيقات حرب الجيل الرابع تجري على أرضنا بأيدينا نحن السودانيين؟
    ومرة أخرى السؤال الأهم، لماذا “الانهاك والتآكل البطيء، بدل اسقاط الدول مرة واحدة؟ الجواب، استراتيجية الانهاك تعني نقل الحرب من جبهة الى أخرى، ومن أرض الى أخرى، واستنزاف كل قدرات الدولة العدو/ المعتدى عليها ويكون على مراحل متباعدة، وجعل” الدولة العدو ” تقاتل على جبهات متعددة ومحاصرة من كل جانب بضباع وكلاب بريه ضاريه من مواطينيها ومن محليين الجوار ودوليين كذلك، والتخطيط، بتسخين جبهة وتهدئة جبهة أخرى، أي إستمرار إدارة الأزمة وليس حلها.
    وكل هذا لكي لا يتم إنهيار الدولة السريع، لأن الإنهيار السريع يبقى على كثير من مقومات ومؤسسات الدولة والمجتمع. وبالتالي، فإن أفضل الطرق هو التآكل البطيء، وبهدوء وثبات عبر سنوات من خلال محاربين “محليين شرسين وشريرين” وبصرف النظر عن وقوع ضحايا أبرياء، لأن الهدف هو أن السيطرة وتقويض الدولة والمجتمع، أهم من كل شيء، أي محو الدولة والمجتمع كلية عبر عملية طويلة.
    ومن أدوات وآليات مخطط حرب الجيل الرابع، والذي يعترف به مخططوه ويعلنونه بكل وقاحة، هو ذلك الذي نراه بأعيننا، ولكننا نتجاهله أو نجهله بلا بصيرة عقل وضمير وأخلاق، ويطبق طواعية بأيدينا نحن بوعي وبدون وعي، تحت شعارات دولية صاخبة تنادي بقيم حقوق الانسان والديمقراطية على أسس الثقافة الغربيه الاوربية والامريكية، والحرب على الارهاب دونما تعريف محدد للإرهاب، ودونما إعتبار للقيم والعادات والتقاليد الانسانية المرعية والمقبولة السائده في المجتمعات الأخرى في قارة أفريقيا وآسيا وامريكا الجنوبية.
    فهل عرفنا الآن لماذا اسلوب استمرار ادارة الازمة بدلا من حلها؟ وكيف يخطط ويرسم المخططون ليظل النزاع والخلاف بين فئات الدولة قائم، بل الاقتتال بين الدول والشعوب من أجل القضاء على مقدرات الشعوب، وتحويل الدولة والشعوب إلى تابعين لا حول لهم و لا قوة؟
    فيا ليت عقل قومي يعلمون قبل فوات الأوان!! ويا ليت رأسي العسكريين ورؤوس المدنيين في السودان تضيء بصيرة عقولهم وأخلاقهم، اللهم إني قد بلغت فاشهد

فريق شرطة(حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون المحكم والموثق

admin

تدوينات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Read also x